24 Jan 2018

حماية الطبيعة البكر: آخر الممرات المائية "الطبيعية البرية" حقاً في أوروبا

© Balkan Rivers Tour
© Balkan Rivers Tour
By Shaun Hurrell

مع تشكل السحب، تهطل أول قطرات المطر من السماء ويحدث الرزاز من جراء اصطدامها ببتلة زهرة لتسقط إلى التربة الجبلية الألبية وهنا يتم تجمع القطيرات مع بعضها إلى الأسفل في مكان أثر مخلب وشق البلقان المتخفي دوماً ومنها إلى المسايل والمجاري المائية في الغابة، ثم تتوقف هذه القطرات مؤقتاً للحظة في المستنقعات، ثم تتدفق فوق الحجر الجيري الأملس وتمر باليعاسيب الراقصة ومن ثم تندفع ضمن سيل قوي يغذي بحيرة  بريسبا الصغيرة  Lesser Prespa الباردة على الحدود الجنوبية من مقدونيا، بعد أن ينقر البلشون هذه المياه بحثاً عن الأسماك. لقد أصبحت هذه القطرة الصغيرة بحيرة. ولكن الرحلة لم تنته بعد، فهذه هي مجرد بداية حوض نهر درين Drin: ثم يتدفق الماء تحت الأرض ماراً بالمخلوقات التي تعيش في الكهوف البيضاء ومنها إلى بحيرة أوهريد Ohrid القديمة، ليعبر الحدود إلى ألبانيا ويتجه باتجاه الشمال الغربي لمئات الكيلومترات حيث يتصل مع بحيرة سكادار Skadar، موطن أكبر أنواع البجع وأكثرها ندرة في العالم ويتسع عرضاً عندما يصل إلى البحر الأدرياتيكي في دلتا بوجانا Bojana الغنية بأنواع البرمائيات على الحدود مع جمهورية الجبل الأسود.

"إنه نظام حي، مرتبط بشكل عميق مع سكانه"

© Thomais Vlachogianni

 

يقول توماس فلاشوجياني Thomais Vlachogianni، موظف البرنامج في المكتب الإعلامي للبحر المتوسط للبيئة والثقافة والتنمية المستدامة ((MIO-ECSDE: "إنه نظام حي، مرتبط بشكل عميق مع سكانه". الموطن النهري "البري" الأخير في أوروبا، وحوض نهر درين لا يزال بيئة طبيعية ضخمة، لم يسبق لها مثيل، والتي يمكن القول بأنها واحدة من أهم أنظمة المياه العذبة في أوروبا. في الفيلم الوثائقي القصير "أصداء من درين" الذي أنتجته منظمة MIO-ECSDE، تشاهد مشاهد طبيعية خفية تثير الشعور بأن الحياة البرية – بدءاً من الكائنات الدقيقة التي لا تُرى ووصولاً إلى مجتمعات البشر، وانطلاقاً من ابتسامات سياح الطبيعة إلى حياة الرعاة التقليديين وانتهاءً بالعمليات الجيولوجية والهيدرولوجية التي تشكل هذا الحوض النهري الشاسع، كلها أشياء مترابطة.

إن فيلم أصداء من درين هو نتيجة لمشروع، Act4Drin، الذي حصل على منحة من قبل لصندوق شراكة الأنظمة البيئية الهامة (CEPF) في البحر الأبيض المتوسط – حيث تم تنسيق الدعم من قبل الخبراء الإقليميين في بيردلايف على أرض الواقع. ولكن مثل مسايل حوض درين وروافده التي تمتد بين البحيرات والغابات ويعبر حدود خمس دول من البلقان، فإن الصندوق قد ربط ما مجموعه 17 مشروعاً في المنطقة والتي أدت جميعها إلى زيادة الوعي وتمكين مجموعات المجتمع المدني المحلية من المحافظة على النظم البيئية للمياه العذبة في هذا المشهد الطبيعي المذهل. ولكن لماذا يحتاج هذا الحوض الخاص إلى الكثير من الاهتمام؟

 

 

يقول بوروت روبينيتش Borut Rubinič,، موظف البرنامج في البلقان في إطار فريق صندوق الشراكة في حوض المتوسط ومقره في منظمة DOPPS / شريك بيردلايف في سلوفينيا: "إن حوض درين هو منطقة ذات علامات قديمة جداً على الحضارة الإنسانية، وأنهاره لم تتوقف أبدا عن التدفق منذ تلك الأوقات. إنه يجمع بين ثلاث بحيرات تكتونية ضخمة، وهي منطقة غنية بالأنواع بشكل لا يصدق، والعديد من الأنواع المستوطنة والبشر، كلها يدعمها هذا المصدر من المياه. فمن دون المياه لا توجد حياة، لذا فإن ربط الناس بالاستخدام المستدام للمياه هو أمر بالغ الأهمية."

ومع ذلك، فإن حوض نهر درين، وحياته البرية، وبقية البلقان، يمكن أن تصبح قريباً أقل بكراً بكثير. إن التنمية غير المراقبة والتلوث ورمي القمامة والصيد غير القانوني والتزايد غير العقلاني حديثاً من السدود الكهرومائية هي أمور تلوح في الأفق، إضافة إلى نمو هذا الجزء السياحي من أوروبا بسرعة، ونزعة دوله إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن صندوق الشراكة سيضمن للمجتمع المدني البلقاني معرفة جيدة وإعداد ما يكفي للدفاع عن جواهرها الطبيعية. ويقول توماس: "بالنسبة للكثيرين منا، الماء يتدفق فقط، ولكننا نعرف القليل عن الوظائف والخدمات القيمة التي يقدمها هذا النظام المائي بشكل سخي، أو ما هي النتائج التي تترتب على اختياراتنا وأفعالنا". وبالنسبة إلى دعاة الحفاظ مثل وماس وبوروت، فإن القيمة لحوض درين البكر واضحة تماماً، ولكن للآخرين في مقدونيا وجمهورية الجبل الأسود وألبانيا، فإنها لا تعطى التقدير المناسب بالضرورة. إن موائل المياه العذبة في البلقان هي فريدة من نوعها، والمتبرعين للصندوق يريدون نشر هذه الرسالة، وكذلك القيام بالبحوث والحماية واستعادة هذه الموائل.

تجتمع خمسة بلدان، ذات علاقات مضطربة أحيانا، سوية في حوار درين من أجل تحسين إدارة حوض النهر

وبفضل التدريب والأفلام التعليمية ومواد التوعية وإظهار أفضل الممارسات في الحفاظ على التنوع الحيوي في المياه العذبة واستعادتها، كان مشروع Act4Drin واجهة عامة ودية لعملية مؤسسية مكونة من خمسة بلدان تسمى حوار درين الذي يتخذ نهجاً أكثر تكاملاً لإدارة حوض النهر بالكامل. ومن خلال شرح كيفية الحفاظ على التنوع الحيوي والمياه العذبة، وكيف يغير ذلك الحياة اليومية وسبل العيش البديلة، كل هذا لضمان أن يتم اشراك السكان المحليين وإلهامهم لاتخاذ إجراءات مناسبة. ويقول توماس: "قد يكون مشروع Act4Drin قد وصل إلى نهايته، لكنه ترك وراءه تراث غني ودائم". كما لعبت منظمة MIO-ECSDE دوراً كبيراً في ربط الكثير من مجموعات المجتمع المدني في المنطقة لضمان استمرار هذا العمل العام في المستقبل.

 

 

أحد هذه الروابط هو مع الجمعية البيئية المقدونية (MES: شريك بيردلايف في مقدونيا) التي خاض أعضائها بأقدامهم في البحيرات الجليدية والمستنقعات والجداول على جبل جابلانيكا Jablanica، التي تقع على الحدود مع ألبانيا وتغذي حوض درين. وهي منطقة معزولة حقاً ومحمية بشكل جيد، وكذلك في غابات الجبل التي تعد ملجأ للوشق والذئاب والدببة، ولكن ذلك لم يثنِ من عزم فريق من خبراء الهيدروبيولوجيا الذين تغلغلوا داخل الغابات تحت ظلال الأشجار لتقييم الموائل والأنواع والتلوث في المنطقة، كجزء من دراسة تجريبية حول امكانية استخدام حوض المياه بشكل مستدام. تقول إيفانا لوزانوفسكا  Ivana Lozanovskaمن الجمعية البيئية المقدونية، "إن المياه من هذا الجبل تغذي المنطقة بأكملها. إن الممارسات الغابية الجيدة هنا مهمة للحماية من الفيضانات، وهو أمر يمكن تكراره في أماكن أخرى." بالإضافة إلى اكتساب فهم جديد لوضع وحالة الحياة البرية، وإصدار مبادئ توجيهية بشأن الاستدامة في مجال الغابات على نطاق انتاجي، فقد اكتشف الفريق نوعاً جديداً من الحلزون المتوطن. يقول بوروت: "لقد أظهر المشروع أنه بدون بحث علمي كبير كأساس للحفاظ، يمكن أن نفقد شيئاً ما دون أن نعرف على الإطلاق أنه موجود." وبالفعل، فإن الهدف التالي في المنتزه الوطني على الجانب الألباني يتمثل في تأمين حماية مماثلة لمساقط المياه في جبل جابلانيكا في مقدونيا.

 

© Thomais Vlachogianni

 

إن الحفاظ على حوض مائي هو ليس لمجرد الحفاظ على المياه. بعد تدفق نهر درين إلى ألبانيا، يمكننا أن نصادف منظمة ألبافورست Albaforest، التي تبذل جهوداً مجتمعية حقيقية للتعويض عن مخلفات الدكتاتور الشيوعي السابق، إنفر هوكسا Enver Hoxha، الذي يقول البعض أنه كان يؤمن بضرورة منع اقتراب الأعداء المحتملين، فخلال الأربعين عاماً من عمر نظامه قام بحملة واسعة من ازالة الغابات. فضلاً عن الآثار الاجتماعية الرهيبة في ظل حكم هوكسا، فقد تعرضت تربة ألبانيا منذ ذلك الحين للانجراف (نتيجة تلك الازالة)، ولكن الآن هناك حظر تام لقطع الأشجار الذي سيستمر لمدة عشر سنوات. وقد قامت ألبافورست حتى الآن بزراعة 100 ألف شجرة من الأشجار المحلية لتعزيز وتثبيت أطراف الأنهار، وستحمي أيضاً غابات البلقان الأخرى من الطلب الناتج على الأخشاب عبر الحدود في ألبانيا. عبر هذه الحدود مع مقدونيا توجد أحد أقدم البحيرات على هذا الكوكب، بحيرة أوهريد. والتي يسبح في مياهها أحد الأنواع القديمة جداً، سمك تراوت أوهريد، جنباً إلى جنب مع 211 نوعاً من الأنواع الفريدة الأخرى التي جعلت من هذه البحيرة ملاذاً لها لملايين السنين. في هذا المكان، الذي تحيط به الجبال المغطاة بالثلوج، انقرضت بالفعل بعض الأنواع المتوطنة، فهي منطقة حساسة حيث يجب استخدام المياه في الزراعة على نحو مستدام. وعلى هذا النحو، توحد ثلاثة من المستفيدين من منح صندوق الشراكة (معهد غاوس Gauss Institute، ومنظمة  Grashnica من مقدونيا، ومعهد السياسة البيئية - من ألبانيا) بشأن بحيرة أوهريد لإدخال نظام جديد للاستخدام الرشيد للمياه في المزارع المحلية، بضم العديد من السكان المحليين من أجل الوصول إلى زراعة أفضل والتي تفيد التنوع الحيوي أيضاً.

ولكن الآن، تواجه بحيرة أوهريد كارثة بيئية، حيث أن هناك رغبة في بناء المنطقة واقتراح إنشاء مجمع فندقي ومنتجع للتزلج وطريق سريع ومرسى للقوارب وغيرها من الانشاءات. وتقدم منظمة مراقبة تدعى الجبهة 21/42 تأييداً قوياً ودعماً قانونياً للحد من الضرر الناجم، وذلك بفضل منحة من صندوق الشراكة. وتشمل النجاحات الأولية الموافقة على تصنيف بحيرة أوهريد كموقع تراث عالمي (يونسكو) مهدد نظراً لقيمته الطبيعية.

 

 

ولكن بحيرة أوهريد هي ليست المكان الوحيد الذي يواجه تهديداً وشيكاً بسبب التنمية. ففي الواقع، فإن معظم الممرات المائية في البلقان، بما في ذلك تلك الموجودة في حوض درين، معرضة للخطر من تسارع انتشار السدود الخرسانية على المجرى: فقد تم اقتراح 2700 سد كهرومائي في المنطقة، في ما يطلق عليه "توسع السدود في البلقان"، ولم يتبق أي جزء من نهر البلقان بدون تدخل ما. ولكن وبدون النظر إلى الطبيعة، فإن بناء السدود سيترك ندباً على نحو لا رجعة فيه على المنطقة، وتعزى السدود بالفعل إلى تراجع سمك eel الأوروبي المهاجر (نوع مهدد بالانقراض بشدة)، وهو نوع معمر ولا يكاد يكون مفهوماً، والذي تأثرت هجرته التقليدية من بحيرة أوهريد إلى البحر الأدرياتيكي.

تتعرض معظم الممرات المائية في البلقان لخطر من تسارع انتشار الانشاءات الخرسانية: حيث تم اقتراح إنشاء 2700 سدود كهرومائية عليه

إن نهر موراكا Morača، الذي يمر من خلال الأخاديد في جبال جمهورية الجبل الأسود ويغذي بحيرة سكادار، هو محور مشروع آخر ممول من الصندوق لمعالجة أزمة السد عليه. وتقوم منظمة مراقبة أخرى، وهي منظمة MANS، ذات الخبرة في التعامل مع الفساد على أعلى المستويات، بالتحقيق في الإجراءات القانونية للسدود المقترحة على نهر موراكا. وفي ذات الوقت يقوم روك روزمان Rok Rozman وهو رياضي أولمبي من سلوفينيا وهو بطل محلي وعالم أحياء وممارس محترف لركوب المياه السريعة Kayak بالتجديف على طول الأنهار لإظهار هذه القضية كجزء من جولة أنهار البلقان. ففي العام الماضي في جزء من سباق موراكا، قدم سلسلة من الأحاديث  في مناسبات على ضفاف النهر، أمام حشود من الناس الذين كانوا قد ركبوا الدراجات أيضاً إلى أعلى الوادي في رحلة نظمتها منظمة CZIP (شريك بيردلايف في جمهورية الجبل الأسود): فقال "هناك تيارات مائية نقية واضحة وشلالات مذهلة وأودية عميقة وغابة على مناطق طميية وتدفقات برية ضخمة مع شواطئ نهرية واسعة من الحصى تميز هذه الشبكة المذهلة من الأنهار. إن هذه البرية لم يعد من الممكن اعتبارها أمراً مفروغاً منه. علينا أن نقاتل بشكل قوي من أجل الحفاظ على هذه الأماكن المميزة وابقائها بشكل سليم، كما نحبها نحن والحياة البرية."

 

© Jan Pirnat

 

كما تقوم منظمة CZIP وMANS بإنشاء قاعدة بيانات عن الحالات غير القانونية لجمع الحصى وتشجيع السكان المحليين على ادراك قيمة الأراضي النهرية على الأنهار المستخدمة بشكل مستدام والتي تضررت بشكل لا رجعة فيه نتيجة إنشاء السدود. إن معظم السدود لا تزال في مرحلة التخطيط (مقترحة للبناء في السنوات العشر القادمة)، لذلك التخطيط والتعليم وتعبئة المجتمع المدني الآن أمر بالغ الأهمية إذا أردنا حماية آخر الممرات المائية البرية في أوروبا.

فمن خلال قطرة واحدة إلى نظام بيئي لكامل مسقط المياه والمجتمعات والمخلوقات داخلها، يهدف الصندوق، من خلال الاستثمار في العديد من المشاريع المترابطة وبناء المجتمع المدني، إلى تحقيق إرث دائم من الحماية لحوض نهر درين بأكمله. يقول بوروت: "إذا تعلمنا كيفية حماية منطقة كهذه، وبهذا الثراء الضخم، يمكننا تكرار هذا النموذج في أي حوض ماء آخر في العالم".

 


تم هذا العمل من خلال استثمار صندوق شراكة الأنظمة البيئية الهامة (CEPF) في حوض البحر الأبيض المتوسط.

للمزيد من المعلومات يمكن زيارة الرابط التالي: www.birdlife.org/cepf-med

 

!أشترك في النشرة الإخبارية

 

The newsletter is available also on Français and عربي.

 

 


www.birdlife.org/cepf-med

 

إن صندوق شراكة الأنظمة البيئية الهامة (CEPF) هو مبادرة تمويل تعاونية من الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) ومنظمة الحفظ الدولية: كونزيرفيشين انترناشيونال (CI) والاتحاد الأوروبي  (EU)ومرفق البيئة العالمي  (GEF)وحكومة اليابان ومؤسسة جون د. وكاثرين ت. ماك آرثر (John D. and Catherine T. MacArthur Foundation) والبنك الدولي.
الهدف الأساسي هو لضمان مشاركة المجتمع المدني في الحفاظ على التنوع الحيوي.
 
 
صندوق شراكة الأنظمة البيئية الهامة هو أكثر من مجرد ممول
فريق تنفيذ إقليمي متفاني (خبراء ميدانيين) يقودون التمويل إلى المجالات والمناطق الأكثر أهمية وحتى أصغر المنظمات، يساعدون على بناء المجتمع المدني في المنطقة، ويشاركون الدروس المستفادة وأفضل الممارسات. في المنطقة الساخنة للتنوع اليوي في حوض البحر الأبيض المتوسط، فريق التنفيذ الإقليمي تقوده البيردلايف إنترناشيونال وشركائها جمعية حماية الطيور في سلوفينيا ( بيرد لايف في سلوفينيا DOPPS ) و جمعية حماية الطيور في فرنسا (بيرد لايف في فرنسا LPO).