24 Jan 2018

بعد الربيع العربي: تعلم حب الطبيعة مرة أخرى

© Elzbieta Szulmajer
© Elzbieta Szulmajer
By Shaun Hurrell

من "الحماية عن طريق العقاب" إلى "الحماية من خلال إشراك الناس": مقالة عن الثورة السلمية التي تغير من حفظ الطبيعة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط

إن علاقتنا مع الطبيعة لا تعتمد فقط على طريقة هبوب الرياح وتفتح الزهور. فخلال فترة الاضطرابات الاجتماعية، على سبيل المثال، يمكن أن تصبح الطبيعة رمزاً سياسياً غير مرغوب فيه.

ففي تونس، رأت عواطف أبيض، حدوث ذلك خلال الربيع العربي: "لقد أنشأت الحكومة التونسية نظام المناطق المحمية دون أي تشاور مع المجتمعات المحلية. لقد تم إعلان ذلك بموجب القانون. وبدون أية استشارات وبذلك حُسم الأمر!."

على هذا النحو، وخلال الثورة التونسية، حوّل الناس استياءهم من نظام القمع إلى إحداث أضرار جانبية. وأضافت: "لقد نهب السكان المحليون الحدائق الوطنية في إشكيول Ichkeul وبوهدمة Bouhedma وتشامبي Chaambi، فاصطادوا وأمسكوا أنواعها المهددة مثل المها والغزلان، وقطعوا العديد من الأشجار تعبيراً عن غضبهم ضد الحكومة."

لقد أظهر هذا، وفقاً لعواطف أبيض، عدم وجود انسجام بين السكان المحليين والطبيعة في جميع أنحاء المنطقة، وقدم الإلهام لها ضمن عملها اليوم كموظفة البرنامج لصندوق شراكة الأنظمة البيئية الهامة (CEPF)، الذي استثمر في التأليف بين الناس من أجل الحفاظ في البحر الأبيض المتوسط في السنوات الخمس الأخيرة.

خلال الانتفاضة، أصبحت المناطق المحمية في تونس رمزا غير مرغوب للنظام وتم نهبها.

وأضافت: "لقد نشأت في ريف القيروان حيث تعلمت دروسي الأولى عن الطبيعة، لقد احتجنا إلى استخدام واستغلال الطبيعة لكسب حياتنا، ولكننا أحببنا ذلك وأبقينا الطبيعة قريبة منا."

بدأت عواطف عملها كمدرسة، ولكن في عام 2007، عندما كانت تعمل كمحاضِرة، شاركت في سلسلة من المسوحات والدراسات الاستقصائية للحياة البرية على الجزر التونسية، لأن مشرفها كان يعاني من دوار البحر واقترح عليها أن تذهب هي بدلاً عنه.

وتبع ذلك عملها التطوعي وشغفها بالحفاظ على البيئة نتيجة ذلك، وهي تعمل اليوم كموظفة برنامج في شمال أفريقيا ضمن المنطقة الساخنة لصندوق شراكة الأنظمة البيئية الهامة المتوسطية، وتقوم بتقديم المنح للمشاريع وتساعد المنظمات غير الحكومية، الكبيرة والجديدة، في مواجهة التحديات الاجتماعية والبيئية.

"منذ أن بدأنا في المنطقة الساخنة، ساهمنا في احداث تغيير بمقدار 180 درجة في الحفاظ، من ’الحماية عن طريق العقاب’، إلى ’الحماية من خلال إشراك المزيد من السكان المحليين’."

إن المشروع الأقرب إلى قلبها تقوده مجموعة (أزرقنا الكبير)، وهي مجموعة محلية من عشاق الطبيعة والغواصين التي ظهرت بعد الربيع العربي لتشكل منظمة غير حكومية مكتملة، وتم تقديم منحة لها من قبل الصندوق لحماية جزر القوريات Kuriat – وسلاحفهم البحرية المهددة بالانقراض - من الإدارة السيئة لأنشطة السياحة وصيد الأسماك.

لقد ذكر جمال جريجر من (أزرقنا الكبير): "تعتبر القوريات قصة إيجابية عن الأمل، حيث نجحت جمعية أزرقنا الكبير في تشكيل أول لجنة مشتركة للحفاظ على الطبيعة في تونس. إن إشراك السكان المحليين في أنشطة الحفاظ يعطيهم الشعور بالانتماء ويكون لديهم الالتزام بالممارسات البيئية الجيدة."

القوريات هي قصة أمل: لقد تم استخدام النهج التشاركي لأول مرة في إنشاء محمية طبيعية في شمال أفريقيا.

إن منظمة أزرقنا الكبير، جنباً إلى جنب مع 18 جهة من أصحاب المصلحة بما في ذلك الحكومة وهيئات البحث والسياحة وصيد الأسماك، على وشك إنشاء منطقة محمية بحرية تدعمها كافة الجهات. وفي حين أن حركة الربيع العربي قد ساعدت في تعبئة المجتمع المدني في شمال أفريقيا، فإن بعض المنظمات قد كانت موجودة بالفعل.

لقد تأسست منظمة AREA-ED في الجزائر في عام 1998، وعملت على إنشاء المتنزهات الوطنية بابور وتادابورت Babor and Tadabort، وعلى توفير الموائل على الارتفاعات العالية المهمة لشجرة التنوب الجزائرية المتوطنة والمهددة بالانقراض بشدة، وكذلك لقرود الماكاك البربري المقيمة (المهدد بالانقراض) ولطائر فالق البندق الجزائري Sitta ledanti (المهدد بالانقراض) – إن جميع هذه الأنواعً مهددة بالحرائق وقطع الأشجار غير المشروع والرعي الجائر.

لقد سمح مشروع ممول من الصندوق في العام 2014 لمنظمة  AREA-EDللعمل بطرق جديدة. وتذكر عواطف: " إنها المرة الأولى التي يستخدم فيها النهج التشاركي في إنشاء مناطق محمية في شمال أفريقيا وذلك ضمن هذين المشروعين." أحد الدروس المستخلصة من جميع المنح الـ (106) التي قدمها الصندوق في حوض المتوسط هو أن الحفاظ على الطبيعة هو وسيلة قوية لجلب مختلف الناس معاً، وحتى مجرد قضاء الوقت في الطبيعة يمكن أن يكون أمراً تحويلياً بالنسبة للبعض.

عندما ترى الابتسامات على وجوه الناس عند مشاهدة إطلاق صغار السلحفاة البحرية على جزر القوريات، فإنه من السهل أن نفهم ذلك الأمر. ولكن ربما في أي مكان أخر سيكون الأمر أكثر أهمية من محاولة إعادة بناء بلد في الحرب الأهلية: ليبيا.

وباستخدام الصحافة الحرة وغيرها من أشكال النشاط المدني المحظورة خلال حكم العقيد القذافي الذي دام 42 عاما، فإن إجراء دراسات استقصائية ومسوحات عن الطبيعة، والقيام بحملات التوعية وغيرها من الأنشطة، التي يعتبرها الناشطون في مجال الحفاظ على البيئة في بلدان أخرى أمراً مفروغاً منه في عملهم اليومي، كانت من الأمور التي يستحيل القيام بها

ولكن منذ بدء الربيع العربي وعلى الرغم من الحرب الأهلية في عام 2011، فإن المنظمات غير الحكومية تتشكل في ليبيا، بل يتلقى البعض منها تمويلاً دولياً.

وذلك يعود جزئياً بفضل الدعم الذي قدمه الصندوق – وهو أول جهة مانحة تمول مباشرة منظمة غير حكومية بيئية محلية في ليبيا منذ بداية الربيع العربي.

الطبيعة الليبية بعيون جديدة (ومن خلال المناظير). إن المستفيدين من منح الصندوق يشملون الجمعية الليبية للطيور، التي قامت بتنظيم رحلة لرصد الطيور لأطفال الكشافة المحليين في اليوم العالمي للأراضي الرطبة والذين يعززون المعرفة عن الطيور في البلد؛ إضافة إلى الصندوق الليبي للحياة البرية (LWT) الذين يُدخلون مفاهيم السياحة البيئية إلى القربولي Alqarabolli.

غير أن هذه المجموعات تفتقر إلى الخبرة: ولكن ست سنوات هي فترة ليست طويلة بما فيه الكفاية لوضع أولويات الحفاظ في بلد ما، ولا سيما في بلد أرسى قوانينه البيئية في التسعينات ديكتاتور لا يرحم.

الآن، مع 51 مشروع لتبادل المعرفة ضمن صندوق الشراكة، فإن منظمات الحفظ من الشرق الأوسط تتشارك الخبرات والدروس المستمدة للمساعدة في بناء المنظمات غير الحكومية الليبية، بما في ذلك أيضاً جمعية الأوكسجين، التي تهدف إلى جلب الهواء النقي في حياة الناس في القربولي من خلال خلق الأنشطة الثقافية المتعلقة بالطبيعة.

لقد استضافت جمعية السويمة الخيرية، وهي منظمة غير حكومية محلية صغيرة على شواطئ البحر الميت تعمل مع القرويين للحفاظ على الموائل الطبيعية المحيطة بها، أول عملية تبادل في الأردن في أيار / مايو 2016. وقالت ثريا وهيبة من جمعية أوكسجين: "لقد كان هذا نجاحاً كبيراً، لقد تعلمت الكثير عن تأسيس المنظمات غير الحكومية والسياحة البيئية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية المتكاملة".

ويقول شريف جبور، مسؤول مشاريع صندوق الشراكة في الشرق الأوسط: "في تناقض صارخ مع ليبيا، فإن المجتمع المدني في الأردن ناضج، مع تفويض حكومي لدعم ليس فقط المنظمات غير الحكومية الكبيرة، ولكن أيضاً المجموعات صغيرة الحجم التي شكلها في الغالب أعضاء مهتمون من المجتمعات المحلية، والتي تعمل في وحول المواقع الطبيعية المهمة. إن هذا النموذج هو شكل فريد من نوعه في المنطقة العربية وخارجها."

إضافة إلى أنه لا يوجد حاجز اللغة، وإلى كونه المكان المثالي لذلك. كما قامت المنظمات غير الحكومية الليبية بزيارة المحميات الطبيعية التي تديرها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة RSCN (شريك بيردلايف في الأردن) التي لديها سياسة توظيف محلية بنسبة 100٪ وتملك ورش عمل حرفية طبيعية. ويقول عبد الناصر بن عايل من الصندوق الليبي للحياة البرية (LWT): "إن غنى الأردن بالتنوع البيولوجي هو أمر جميل، وهذا قد ألهم بعض الأفكار الجديدة لتلائم ظروفنا في ليبيا."

لم يكن يتوقع أحدنا قبل ست سنوات أن يشاهد وجود منظمة بيئية ليبية، ناهيك عن استكشاف امكانية استخدام السياحة البيئية كوسيلة للحفاظ على الطبيعة.

على الرغم من انخفاض مستوى الأنواع المتوطنة في ليبيا (4٪ حصراً على ليبيا)، فإنه لديها بالتأكيد بعض الأصول الطبيعية المهمة. ومع ما يقارب من 2000 كم من الشواطئ على البحر الأبيض المتوسط ومنطقة واسعة نصف جافة تمتد لتتصل بالصحراء الكبرى، كما أن هناك الشعاب المرجانية والبرك ومناطق أشجار المانغروف(الشورى)؛ بالإضافة إلى المستنقعات المالحة والسهول الطينية المهمة للطيور المهاجرة. وتقول عواطف: "إن السياحة البيئية هي فرصة واقعية لأجل ليبيا حالما تسمح الظروف بذلك."

"أينما كان لدى الناس وقت فراغ، فإنهم يتمتعون بإمضاء هذا الوقت في الطبيعة. ففي تونس، لدينا مشاريع السياحة البيئية التي لا تزال تتلقى الكثير من الزوار المحليين ومن خارج البلاد، مثل الجزائر."

ومع ذلك، فبدلاً من صورة وردية للمنظمات غير الحكومية التي تزدهر بعيداً عن الاضطراب السياسي والحرب الأهلية في شمال أفريقيا، فإن الواقع بالطبع أكثر تعقيدا وأكثر إشكالية، حيث لا تكون جميع تنقلات المجتمع المدني إيجابية (احتمالياً: المزيد من الأسلحة والإرهاب) . ولكن لأجل الحركة الوليدة لأجل الحفاظ على الطبيعة فقد وضع صندوق الشراكة البذور لذلك، والآن بدأت النموات الخضراء الجديدة.

تقول عواطف: "الشباب يشاهدون الآن طبيعة ليبيا من جديد. إن دور منظمات المجتمع المدني أمر حاسم لتوفيق السكان المحليين مع الطبيعة منذ نشوء هذه الحركة". ربما سيسهم هذا في تهيئة منطقة أكثر استقراراً.


 

 

!أشترك في النشرة الإخبارية

 

The newsletter is available also on Français and عربي.

 

 


www.birdlife.org/cepf-med

 

إن صندوق شراكة الأنظمة البيئية الهامة (CEPF) هو مبادرة تمويل تعاونية من الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) ومنظمة الحفظ الدولية: كونزيرفيشين انترناشيونال (CI) والاتحاد الأوروبي  (EU)ومرفق البيئة العالمي  (GEF)وحكومة اليابان ومؤسسة جون د. وكاثرين ت. ماك آرثر (John D. and Catherine T. MacArthur Foundation) والبنك الدولي.
الهدف الأساسي هو لضمان مشاركة المجتمع المدني في الحفاظ على التنوع الحيوي.
 
 
صندوق شراكة الأنظمة البيئية الهامة هو أكثر من مجرد ممول
فريق تنفيذ إقليمي متفاني (خبراء ميدانيين) يقودون التمويل إلى المجالات والمناطق الأكثر أهمية وحتى أصغر المنظمات، يساعدون على بناء المجتمع المدني في المنطقة، ويشاركون الدروس المستفادة وأفضل الممارسات. في المنطقة الساخنة للتنوع اليوي في حوض البحر الأبيض المتوسط، فريق التنفيذ الإقليمي تقوده البيردلايف إنترناشيونال وشركائها جمعية حماية الطيور في سلوفينيا ( بيرد لايف في سلوفينيا DOPPS ) و جمعية حماية الطيور في فرنسا (بيرد لايف في فرنسا LPO).